المنتدى الإجتماعي العالمي-الخميس 26 مارس 2015

كانت الإستعدادات للرحلة على قدم و ساق طيلة الشهر المنطوي، فمن البحث عن ممولين، إلى تحضير الأقمصة و طباعتها، إلى إعداد لائحة الطلبة المشاركين. لترسو القائمة على ثلاث طالبات من خيرة الطلبة اللذين درسوا لدي.  لقد كانت للعملية الغادرة بباردو كبير الأثر على قرار أغلبية الأولياء، الذين أتفهم تخوفهم و تراجعهم عن مشاركة أبنائهم في آخر لحظة، كما أحيي روح الشجاعة في الأولياء الذين وضعوا ثقتهم بي.

fsm2015_train

استمرت الرحلة قرابة الساعتين على القطار، استغلتها طالباتي في تجاذب أطراف الحديث مع احدى المسافرات التي كانت في مثل سنهن، كنت أراقب  عن كثب محاولا اتمام قراءة كتاب آنا كرنينا مستعيرا إياه من إحداهن.

 

fsm2015_garreتوقف بنا القطار لتستقبلنا زخات المطر الباردة و وجه السماء العابس، لكن سوء الطقس و زمجرته لم يعكر من مزاج طالباتي و لم يفتر من عزمهن على استكشاف هذا العالم الجديد،  العاصمة.
نزعت عن نفسي صفة الاستاذ و لبست صفة الطالب السائح، وfsm2015_metro قدتهن إلى محطة المترو الذي لم يكن يبعد كثيرا عن محطة القطار مستقلين المترو رقم 5، متوجهين إلى المركب الجامعي لحضور فعاليات المنتدى الاجتماعي العالم.  كان في العربة التي استقليناها جمع من طلبة الاتحاد التونسي للطلبة، مفعمين حيوية و نشاطا،  بدأوا في الغناء و إلقاء أناشيد حماسية ما إن انطلق المترو جارا عرباته. كان الجو مفعما حماسة ما جعلني أنزع  معطفي لأبقى بالقميص الذي خصصته للرحلة. لكن يبدو أن أحد الركاب لم يستحسن كلمات أو صوت الصائحين، فاعترض صائحا، طالبا منهم أن يحترموه و ألا يفرضوا عليه سماع  أناشيدهم، فكثر الصخب و اللغو بين مؤيد له و معارض، و كادت الأيادي أن تتشابك رغم تفهم الأشبال، فصرخت بأعلى صوتي لأوقف النزاع، “حماة الحمى يا حماة الحمى” ليتكفل الباقون بإكمال النشيد الوطني.

وصلنا، لمحطة الكلية. لتعترضنا فرقة تفتيش، و ليصيح أحدهم، “انتي الي لابس الأزرق ايجا”، قاصدا احدى تلميذاتي، التي كانت أشبه بفتى بشعرها المغطى بالكوفية، و سروالها الدجين و معطفها الأزرق. كانت  تحمل معها حقيبة في يدها و أخرى على ظهرها، و هو ما أثار شكوك رجال الشرطة نحوها، ليتركوها و شأنها بعد  أن فتشوها و لم يعثروا عن أي شيء مريب في حقيبتيها.

توجهنا نحو الجسر  عابرين نفقا مظلما و نحن نتضاحك على الشرطي الذي حسب ندى ولدا. اعتلينا أولى درجات  الجسر ليأمرنا  شرطي آخر بالاستظهار ببطاقات الدخول أو النزول عن الجسر و العبور من تحته. فكان أن عبرنا من تحت الجسر، محاذين الطريق السيارة إلى أن وصلنا إلى باب كلية العلوم  الاقتصادية و التصرف حيث وجدنا صفا و في آخر الصف دورية تفتيش. طلبت من طلبتي أن يلزموا الصمت و يكفن عن التندر حتى ندخل، و ألا يجادلوا أيا من رجال الأمن، فلم أكن مستعدا لإفساد اليوم بمناوشة لا طائل منها مع رجال الأمن.

الحملة العالمية للعودة إلى فلسطين

دفعنا رسوم الدخول و تم تبجيلنا عن باقي المصطفين بعد أن أطلعت المتطوعين عن صفتي كأستاذ و أنني جئت بتلاميذي للقيام بجولة ميدانية، لنربح بذلك وقتا ثمينا. أخذنا حقائب المنتدى من الخيمة ثم انطلقنا باحثين عن خيمة جمعية العودة إلى فلسطين. كنا في طريقنا تعترضنا أجناس و أطياف من البشر من كل العالم، و على كل لسان. وصلنا أخيرا إلى الخيمة التي كانت قبالة المشرب، لأسأل عن السيدة مريم المنسقة الإعلامية للحملة، و التي كان لي كبير الشرف بالتواصل و التنسيق معها من أجل انجاح الرحلة. عرفتني هي، قبل أن أعرفها، و رحبت بنا أجمل ترحاب، دخلنا الخيمة لاجئين، هاربين من خيوط المطر. فرحت السيدة مريم بالطالبات أي فرح، و حيت فيهن حبهن و تعاطفهن مع القضية الفلسطينية. 

الحملة العالمية للرجوع إلى فلسطين

كان في البرنامج لقاء بين طلبتي و شبان من فلسطين، لكن سوء الأحوال الجوية حالت دون ذلك، فقد وضعت كل المعدات و المطويات في مأمن من المياه و الرياح، في انتظار أن تهل علينا الشمس باطلالتها البهية. حملنا أنفسنا بعد أن وعدنا السيدة مريم بالعودة في وقت لاحق، و قمنا باستكشاف شامل للمكان، ليشد انتباهنا صيحات و أهازيج مجموعة من الإخوة الجزائريين مكونين حلقة من الراقصين و ضاربي الدفوف.

najma2 najma1تعرفنا من بين الجموع على المهندسة الفلسطينية نجمة، تجاذبنا بعضا من أطراف الحديث لنودعها هاربين مرة أخرى من الأمطار و الرياح.

nada

وجدنا قاعة غير بعيدة التجأنا إليها، جالسين على المقاعد ناعمين ببعض الدفئ في هذا اليوم البارد.
كانت تدور ندوة حول الارهاب، و أعجبت بمحاولة طالبتي ندى محاورة أحد الحاضرين.
جفت ثيابنا، و نعست جفوننا، بعد أن طال الحديث، فقررنا الخروج و اكمال جولتنا. لنلتقي بمسيرة تصيح بشعارات مناهضة للإرهاب ممجدة لفلسطين، فسرنا معهم و صحنا بكل ما أوتينا من قوة.
مشينا و تجولنا بين الخيام، و في كل خيمة قضية و حكاية، كانت تلميذاتي تحاولن استكشافها بطرحهن للأسئلة. تجولنا حتى عيت أرجلنا و تضورت بطوننا جوعا، لنخرج من كلية الحقوق متجهين نحو عليسة، مستمتعين بالنظر إلى الخضرة، و إلى الخيام المرمية هنا و هناك و قد حاصرتها المياه، لتبقى وحيدة بلا مشاركين.

enfants

في طريقنا اعترضتنا مسيرة للأطفال، منددين بالعنف ضدهم، و بالارهاب عموما، مطالبين بحقهم في التعليم.

كما اعترضتنا ‘مسيرة’ أخرى مكونة من ثلاثة أفراد مطالبين بحقوق المثليين. لترتفع عقيرتي بالصياح مستهجنا الأمر. وصلنا لبوابة أخرى، يقوم عليها مفتشون. لكنهم لم يفتشونا حين خروجنا.
restaurantصعدنا درجات عليسة، و بحثنا عن مطعم ليس به اكتظاط. لنأكل و نتحدث عما اعترضنا هذا اليوم، متذبذبين بين الجد و المرح.

رجعنا للبوابة ليعترضنا رجال الشرطة و كلبهم، طالبين منا فتح حقائبنا. دخلنا سالمين، بعد أن فجع الكلب طلبتي. كانت الساعة تشير إلى الثانية و نصف زوالا، و كان علينا الإختيار إما حسم أمرنا و التوجه إلى محطة برشلونة للرجوع إلى سوسة، أو البقاء حتى السادسة مساءا و التجول بين الكليات. فكان الإجماع (3 ضد واحدة) على أن نبقى و نتجول. قدتهم إلى كلية العلوم (الكلية التي درست بها) لتعترضنا لجنة لأممية العمال. الذي عرف أحد منخرطيها الفرنسيين بأهدافهم، ليقدمني لعضوة تونسية، اكتشفت بأنها أستاذة. تحدثنا عن الوضع العام في البلاد و وضع الأستاذ و التعليم خاصة، واعدا إياها بالعودة لحضور ندوة لهم حول التعليم، وعد لم أف به لضيق الوقت و غزارة المطر.
soudanتجولنا في أنحاء كلية العلوم، مستكشفين ثقافات و هموما غير التي لدينا، و كان من بين من زرنا، وفد سوداني، أوضح لنا ببعض الصور فداحة الحرب و فضاعتها، و كيف تجعل أناسا عزلا آمنين، عرضة للموت و التشرد و الجوع.

رجعنا بعد ذلك لكلية العلوم الاقتصادية و التصرف، للقاء السيدة مريم و بقية الجمعية، لتستقبلنا بنفس الحفاوة التي استقبلتنا بها المرة الأولى، و لتهدينا بعضا من الهدايا، ملتقطين بعض الصور التذكارية، لنشاركهم رقصهم و غناءهم، لنودعهم على أمل اللقاء بهم مرة أخرى في مناسبة أخرى.


palestineتوجهنا بعدها لخيمة فلسطينية ناقشت قضية اللاجئين، و البحث عن حلول لها. أصغت تلميذاتي بكل امعان. لنتوجه بعد ذلك نحو المحطة في رحلة العودة.

من بين ما شد انتباهي في الرحلة، اشتراء أحد تلميذاتي لعشبة (مقابل دينار) دون أن تعلم شيئا عن فوائد استعمالاتها. و حرارة السود عموما في معاملاتهم، فهم الأكثر ترحابا و بشاشة. أيضا شدني سؤال أحد الكوتديفواريين عن الخيمة التي أخذت منها الكوفية الفلسطينية، فقد كان حسب زعمه مناصرا لقضيتهم. شدتني كذلك كلمة “هاكونا ماتاتا” لجماعة كينية كانت تريد بيعنا خشبة بـ10 دنانير. 

أظن أن الرحلة للمنتدى كانت ناجحة عموما رغم قروسة البرد، و رغم ما كابدناه للوصول و للتجول عبر الخيمات و الكليات، فالهدف بالنسبة لي هو تعريف تلامذتي على الآخر الذي قد لا يعتقد نفس معتقداتك و لا يتلون بنفس لونك و لا يتكلم بنفس لسانك.
لكنني، و في ‘موجة’ التنديد بالارهاب التي انخرطت بها دولتنا، أتساءل، أليس أحد أسباب الارهاب جهلنا بالآخر، بثقافته،
أليس أحد أسباب الارهاب عدم التواصل مع الآخر،
فلماذا لم توفر الدولة للطلاب و التلامذة الوسائل لحضور مثل هذا المنتدى، و الذي يغلق حضور فعالياته  بابا من أبواب الارهاب.
ألم تعلمي سيدتي الدولة أن ذلك الطالب و التلميذ الذي لم توفري له بديل الارهاب قد يكون ارهابي الغد، أم أنك استأنست بالحل الأمني الذي لن يخلف وراءه غير ارهاب الدولة.
أخيرا شكرا لجميع ضيوف تونس الكرام لتضامنهم و حضور المنتدى في هذا الظرف الراهن المصبوغ بدم الارهاب و تضييق الحريات …

الأستاذ علي بالحاج خليفة
تونس الخميس 26 مارس 2015

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

You may use these HTML tags and attributes:

<a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>